الاستلزامُ الحَوَارِيُّ (حِوَارُ الرَّسُولِ (ص) مَعَ اليَهُودِ) انموذجًا


الاستلزامُ الحَوَارِيُّ (حِوَارُ الرَّسُولِ (ص) مَعَ اليَهُودِ) انموذجًا

أ . م . د سُهَيْلٌ مُحَمَّدٌ حُسَيْن جَعْفَرُ الأرناؤوطي

suhill.mohammed@alkadhum-col.edu.iq

كُلِّيَّةُ الإِمَامِ الكاظم (عَلَيْهِ السَلَامُ) / قَسَمَ الإِعْلَامُ






الملخص:    تهدف الدراسة إلى إعادة قراءة التراث بتقنيات منهجية حديثة من أجل الوقوف على الأسس المعرفية التي بُني عليها السلف بغية تفعيل التراث في الدراسات اللغوية الحديثة. وسنسلط الضوء على الاستلزام الحواريّ، ومبادئ التخاطب(الغرايسية) في الحوار النبويّ بأن يكون البحث في أربعة مباحث: أولها الحوار الجدلي وثانيها التشريعي، وثالثها الاجتماعي، ورابعها المصيري، وخُتمَ البحث بجملة نتائج.

  الكلمات المفتاحية: الاقتضاء، الحوار، الافتراض.

Apostolic invocation: (dialogue of the Prophet (r) with the Jews) model.

Summary:

The study aims at re-reading the heritage using modern methodological techniques in order to identify the knowledge bases on which the Salafists built the heritage in modern linguistic studies. We will highlight the calligraphy, and the principles of dialogue in the prophetic dialogue, that the research should be in four fields: the first is the dialectical dialogue, the second is the legislative one, the third is the social one, and the fourth is the fateful one.

Keywords: need, dialogue, assumption.

المقدّمة:  

الحمد لله الذي علا مكانه وفاقت قدرته وأبدع في صنعه الأشياء ، فجعلها متماسكة متناسقة.. والصلاة والسلام على سيّد الخلق محمد وعلى آله وصحبه الميامين الأخيار.

أما بعد :

الاستلزام الحواري: هو أحد أبرز المفاهيم في الدرس التداولي الغربي فهو   تقديم تفسيراً لقدرة المتكلم على أن يعي أكثر مما تؤديه العبارات المستعملة أو قل أنه شيء يعينه المتكلم ويوحي به ويقترحه ولا يكون جزءً مما تعنيه الجملة بصورة حرفية. ، والاستلزام الحواريّ أحد مجالات التداولية المهمة التي أهتم بها (جرايس) بمحاضراته التي ألقاها في جامعة هارفرد 1967م، منطلقاً من فكرة إن الناس في حواراتهم يقولون مايقصدون وقد يقصدون أكثر مما يقولون وقد يقصدون العكس مما يقولون……. فأراد أن يقيم معبراً بين ما يحمله القول من صريح وما يحمله من معنى متضمن ، مما أدى إلى بلورة فكرة الاستلزام الحواريّ. رأى “غرايس” أن كل عملية تخاطبية، تضبطها قواعد يفترض على المتحدثين احترامها، لبلوغ الغاية من الخطاب وهي الإفادة والوضوح.

قواعد التخاطب المتفرعة عن مبدأ التعاون:

فرّع غرايس عن مبدأ التعاون مجموعة من القواعد التخاطبية، قسمها أربعة أقسام، وتحت كل واحدة منها، قواعد مخصوصة، تتمثل هذه القواعد في:

  1. قاعدة كمّ الخبر: تحتوي على قاعدتين هما:

لتكن إفادتك المخاطب على قدر حاجته – لاتجعل إفادتك تتعدى القدر المطلوب.

2. قاعدة كيف الخبر: وقاعدتاها هما:

أ.  لا تقل ما تعلم كذبه     ب  -لا تقل ما ليست لك عليه بيّنة.

3.  قاعدة علاقة الخبر بمقتضى الحال وهي:  ليناسب مقالك مقامك.

4. قواعد جهة الخبر وهي:

أ-  لتحترز من الالتباس.ب – لتحترز من الإجمال. ج- لتتكلم بإيجاز. د – لترتب كلامك.

      ولكن قد يحدث أن يخالف المتخاطبان حفظ هذه القواعد  -ولو أنهما سيداومان على حفظ مبدأ التعاون – فإذا وقعت هذه المخالفة؛ فإن الإفادة في المخاطبة تنتقل من ظاهرها الصريح والحقيقي إلى وجه غير صريح وغير حقيقي ويظهر من هذا أن الاستلزام الحواري يحدث حين يتم انتهاك قاعدة من قواعد مبدأ التعاون. وهكذا تكون قواعد المحادثة عند “غرايس “مبادئ تعاون نجعل بها  -أو نتنبأ أن نجعل بها-  التواصل سهلا، ويُعطي لهذه المبادئ استلزاما عند المتكلم بصدد ما يقصده؛ وهذا الاستلزام نحتاجه لفهم السبب في تلفظ المتكلم بهذا القول أوذاك، أو لفهم الكيفية التي أنتج بها المتكلم قوله. وعلى الرغم أن مبدأ التعاون فتح بابا واسعا في تطوير التداوليات اللغوية، وتنويع الدراسات المتعلقة بموضوع التواصل الإنساني.

وفي الختام ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:8]

الفصل الأول: التفاعل الحواري بين الرسول(ص) واليهود( الحوار الجدالّي) مقاربة تداولية للتضمين الحواريّ.

      افتتح الحوار المرسل اليهود بسؤال النبي (ص) (ما الروح؟)

فاجابهم الرسول(ص) : بقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ){الإسراء/85}.

 أ ـ الافتراضات المسبقة: اليهود على علم مسبق بماهية الروح باطلاعهم على التوراة ، وسألوا ليثيروا الشبهات وليبينوا إنهم أعلم من الرسول(ص) ، وبعض اليهود كان يخاف من نتيجة السؤال عن الروح من أن يأتي الجواب النبوي بمعلومات لاتزيد مكانة اليهود في المجتمع المدني إلاّ تدهوراً ، وإن تخوفهم لم يكن تخوف الباحث عن الحقيقة أو المتمسك بها وإنما هو تخوف الأناني الذي يبقى دائماً حائراً. وهم يدركون أن الروح من الأمور الغيبية التي لا يستطيع العقل المجرد أن يبحث فيها دون الرجوع الى النص. فالافتراض المسبق يعبر عن قصدية انسانية أنتج لإجلها الملفوظ وهذه القصدية تستوجب إعادة نشأتها ليتم في ضوئها فهم المعنى الكلي. وللظفر بذلك يجب التسليم ب ( أن معنى الملفوظ ليس هو القصد الدال على المتكلم بالذات بل هو المعنى الذي يستخرجه المخاطب من الملفوظ منطلقاً في ذلك من بنيته الدالة ومعتمدًا على مجموع الكفايات التي يمتلكها المتكلم وحادسًا قصده الدلالي)

ب ـ الاقتضاءات: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ){الإسراء/85}.

     المقتضى: الروّح مشترك لفظي ورد في القرآن الكريم للدلالة على ما به حياة الأجسام وإذا أضيف إلى الله تعالى فهو للملك والتشريف، وكما استخدم للدلالة على بعض الأمور الخفية (كالوحي) ، (وأمر النبوة) ، وأطلق أيضاً على بعض الملائكة وخاصة ملاك الوحي جبريل (عليه السلام)، واستخدم في الاحاديث النبوية للدلالة على روح الانسان أو الحيوان التي إذا ما زرعت في الجسد نفخت فيه الحياة، والاقتضاء يظهر الحيرة التي كان عليها اليهود والخوف الذي انتابهم ، وكذلك الجانب التسلطي الكامن في نفوسهم عن طريق التشكيك والايحاء ، والمقارنات الناقصة. وتشكل كلمة (أُوتِيتُم) المقتضى الحجاجي وهي كلمة لها حمولتها الدلاليّة حاجج بها متلقيه دون غيرها من الكلمات ؛ لأن أصل  العطاء من الله لا من غيره.

   يشكل كل من ملفوظ النبي (ص) واليهود علاقة حوارية، والأصل أن يجنحا كليهما للتعاون قصد إيضاح المحاورة، وتقتضي فرضية(غرايس) أن يكون التعاون سبباً في تماسك الكلام، وتكاد تكون كل القواعد مطبقة وفيما يلي توضيح لذلك.

أ ـ احترام قاعدة الكيفية (كن صادقاً):

أن لاتقدم معلومات خاطئة لا تستطيع أن تبرهن عليها وإذا ما ربطنا الحوار النبوي (الجدالي) مع اليهود بمعطيات جرايس نجد قد تم خرق هذه القاعدة عن طريق التعريض بقوله تعالى (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) والمعنى المستلزم من الآية المباركة  إقرار منه بجهل اليهود عن ماهية الروح الحقيقية ؛ عن طريق سؤالهم الرسول(ص). ولأنه دخل في باب التعريض وقد يبلغ التعريض للمضمر ما لا يبلغه التصريح، ويعتبر أسلوب التعريض من أساليب التداولية لأن المرسل يمكن أستعماله ؛ لأنه أبلغ للفهم ( والتعريض من الآليات الاستتراتيجية التلميحية المستعملة عند العرب بكثرة في خطاباتهم فقد أعتبر من علامات الكفاءة التداولية عند المرسل ودليلاً على النبوغ الخطابي يستعمل لغايات معينة ومقاصد متنوعة ومراعاة لما يتطلبه السياق)

ب ـ الكمية: تشكل هذه القاعدة المستوى الوحيد في مبدأ الملائمة، وتؤكد أن الكلام كان مناسباً لموضوع القضايا المطروحة أي نزوع الملفوظ إلى دلالات مباشرة وصريحة ، وفي هذا الحوار لانجد في ملفوظ الرسول(ص) قولاً سيق وبينه وبين القضية التي طرحها فجوة إذ أجاب بقول الله تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ){الإسراء/85}. ؛ (( لان المرسل إليه يفهم ما يضمره في خطابه تماماً مثلما يفهم ما يظهر فيه فإذا كانت كفاءة المرسل التداولية في صناعة الخطاب فإنها تتجلى الكفاءة التداولية للمرسل إليه عند تأويل الخطاب للوصول إلى مقاصد المرسل وإدراك حججهُ فلو كان التخاطب يعتمد على الاستتراتيجية المباشرة دون غيرها لكلف الناس أنفسهم عنتاً من أجل تفسير الخطاب وتوخي الإطناب وإغفال ما تستدعيه عناصر السياق الاجتماعية من تنويع الخطاب في بنيته)

فبين لهم ما سألوا عنه ،ولا شك أن اليهود كانوا يودوون أن يتلقوا من الرسول(ص) جواباً محدداً يتمكنون بوساطته أن يكذبوه ويبينوا أنه ليس المقصود بالروح ، وهم يريدون بعملهم أن ينفض الصحابة من حوله(ص) وجعلهم يختصمون علّهم يجدون عبر خصوماتهم منفذاً يصلون بفضله إلى زرع الشك في نفوس المسلمين وجعلهم يتخلون عن التصديق المطلق بصاحب الرسالة.

ج ـ خرق قاعدة الكمية: جاء في ملفوظ الرسول (ص) إطناب لزيادة التوضيح أو لتفصيل الكلام، أو إدراج كمٌّ من الأخبار ، ويقول السكاكي: وهو أما ايضاح بعد إيهام ليرى المعنى في صورتين مختلفتين أو ليتمكن في النفس فضل تمكن فإذا المعنى أٌلقي على سبيل الإجمال والإبهام تشوقت النفس إلى العلم بالمجهول؛ فيحصل لها بسبب المعلوم لذةً، ويسبب حرمانها عن الباقي ألم….. أو لتفخيم الأمر وتعظيمه، ويتمثل الإطناب بقول الرسول(ص) مستشهداً بالآية المباركة: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ){الإسراء/85}.وهو تذيّل جار مجرى المثل يؤتى به بعد تمام الكلام بكلامٍ مستقل في المعنى الأول تحقيقاً لدلالة منطوق الأول أو مفهومه ليكون معه كالدليل ليظهر المعنى عند من لايفهمه ويعمل عند من فهمه.

وأفاد التذيّل في هذا المقام الإنكار على اليهود : أي عدم تحكيم عقولهم فيما يعبدون ، وأفاد أيضاً التحذيير من عدم الاغترار بالنفس. وهذا هو المنهج التربوي للرسول(ص) الاكرم إذ بين ومن ثم حذر، ونذر. ويلاحظ أن الرسول(ص) أطنب إذ أخبر؛ والغرض إيقاظ العقل فجمع صورتين مختلفتين ليكشف جهلهم وليمكن دعوته في النفوس عن طريق الجمع بين الشيء ونقيضه. وبتجاوزه لقاعدة الكمية تمكن من غرس الدعوة في نفوس ابناء قومه ، وسد كل سبل الإعراض ويستلزم لهذا الخرق أن الرسول(ص) أحس من اليهود إعراض .

د ـ قاعدة الاسلوب (الطريقة):

  1. الاحتراز عن الالتباس أو تجنب الايهام: ملفوظ الرسول(ص) فيه جنوح واضح إلى أسلوب البسط والاسترسال الذي يتطلب الوضوح والانابة لغرض الاقناع.
  2. الاحترازمن الاجمال : إن الاجمال يتنافى والقصد التداولي إذ يحتاج لنجاح التواصل إلى التفسير والتفصيل، ولذلك يجدر بالمحاور أن يتجنب الاجمال وهكذا كان حوار الرسول(ص) مع اليهود، إذ ورد كلامه مفصلاً خالياً من الاجمال لا غبار على ملفوظه ولا على حواره، والملاحظ أن كلامه مفصل لايتداخل القول الأول للآية مع الثاني، ولايحتمل قول على قول فيلتبس على المتلقي؛ لأنه في صدد ايضاح الدعوة النبوية المحمدية وترسيخ معتقدات غير المعتقدات السائدة في وقته. وهذا ما جعله ينأى عن الاجمال.
  3. التكلم بإيجاز واختصار: هذه القضية متعلقة بقاعدة الكمية، أي كمّ الخبر فتجاوزها(ص) إذ أطنب بتكرار لفظة (الروح) ، والتذييل الجار مجرى المثل (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً والغرض للانكار والتحذيير.
  4. ترتيب الكلام وتنظيمه: يلزم على المحاور ترتيب كلامه وتنظيمه وإحسان التصرف في سرد الاحداث وسوق الادلة وإلاّ كان كلامه خطلاً لا طائل من ورائه، وكلام الرسول(ص) مرتب متناسق لاخلل فيه، إذ بدأ باخبارهم بماهية الروح ثم عرج على قوله تعالى (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) وهو تعقيب ناجح فكأنه يقول تسألون وتشككون في أمور علمكم بها محدود فكان كلامه على حسن ترتيب؛ لأن مراجعة النفس والتعقل في السؤال يصحح مسار التفكير؛ ذلك لأن المنهج الدعوي النبوي يمر بالتبيين والتوضيح ثم التحذير من الوقوع في الخطأ؛ لأن التحذير من شأنه أن يؤثر في القلوب فتخشع لذكر الله والالتزام بأوامر الله تعالى.

إذا ربطنا تلك المقدمات بقواعد جرايس فنلاحظ أنه قد تمَّ انتهاك مبدأ الطريقة ،فكان هناك تفصيلاً، ،وإطناب لفائدةٍ. 

 المبحث الثاني: التفاعل الحواري بين الرسول(ص) واليهود (الحوار التشريعي) مقاربة تداولية للتضمين الحواري.

      افتتح الحوار بسؤال الرسول(ص) عن حكم الزنا لاثنين من اليهود (أحدثا): ( أتى رسول الله (ص) بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعاً فقال لهم ماتجدون في كتابكم؟ قالوا: إنَّ أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبيه. قال عبد الله ابن سلام : ادعهم يا رسول الله بالتوراة فأتى بها موضع أحدهم يده على آية الرجم ، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له ابن سلام : ارفع يديك فإذا آية الرجم تحت يده. فامر بها رسول الله(ص) فرجما قال ابن عمر فرجما عند البلاط فرأيت اليهودي أجنأ عليها).

أ ـ الافتراض المسبق:  اليهود على علم مسبق بحكم الزنا من ( التوراة) أما الدوافع التي جعلت اليهود يحكموّن رسول(ص) في أصدار حكم على من زنا منهم بحثاً عن التيسير في الحكم فقالوا: إنه الرسول(ص) نبي بعث بالتخفيف، فإن افتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله. إذًا ما من مضمون إلاَّ ويأتي من فوقه مضمون غيره، وإن يأتي من فوق هذا المضمون الثاني مضمون ثالث، وهكذا من غير إنقطاعٍ.

الاقتضاءات: إن إرسال جماعة من الأحبار للرسول(ص) لعله يصدر حكماً أيسر مما هوموجود عندهم، أو لإدراكهم أنهم أهل ذمة، وإن واجبهم يفرض عليهم رفع القضايا المهمة إلى المسؤول الأول عن المدينة المنورة وهو النبي(ص) أو لعلهم أرادوا فتنة المسلمين وتشكيكهم في الجانب التشريعي الذي يطبقه الرسول (ص) فهم يمنون النفس بتتبع الرسول ماهم عليه من تحريف. و (جلَدَ ، يجلد ، جلدَا ،فهو جالد والمفعول مجلود ، جلده بالسياط: أصاب جلده. فكلمة (أجلدوهما) حاملة للمقتضى أي: هي المقتضى ، فحسب المعنى اللغوي الذي جاءت به تقتضي أن يجلد كل من الزاني والزانية ، وما على الباث إلاّ أن يظهر هذا الحق بأدلةٍ دامغةٍ من كتاب الله الذي أنزله على موسى(ع).

   يشكل كل من ملفوظ النبي (ص) واليهود علاقة حوارية، والأصل أن يجنحا كليهما للتعاون قصد إيضاح المحاورة، وتقتضي فرضية(غرايس) أن يكون التعاون سبباً في تماسك الكلام، وتكاد تكون كل القواعد مطبقة وفيما يلي توضيح لذلك.

أ ـ احترام قاعدة الكيفية (كن صادقاً):

أن لاتقدم معلومات خاطئة لا تستطيع أن تبرهن عليا، وكانت محترمة بشكل واضح من قبل الرسول (ص) وحواره مبسط يشعر الآخر وكأنه يجيب بالذي في صدورهم.

ب ـ الكمية: تشكل هذه القاعدة الخرق الوحيد في مبدأ الملائمة، وتؤكد أن الكلام كان مناسباً لموضوع القضايا المطروحة أي نزوع الملفوظ إلى دلالات مباشرة وصريحة ، وفي هذا الحوار لانجد في ملفوظ الرسول(ص) قولاً سيق وبينه وبين القضية التي طرحها فجوة إذ أجاب بقول الله تعالى: ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ )){النور/2} فاليهود كانوا يودون أن يجيبهم الرسول(ص) بشيء من التيسير في الحكم فهم يشترطون في الأخذ بما يحكم به أن يكون مسايراً لما هم عليه إلاَّ ودونه من حيث الشدة واليهود كانوا على اطلاع بماهية الحكم الموجود في التوراة ويمكن للباحث ان يستنتج موقفين من الحوار:

أولها: إنَّ الرسول (ص) أراد أن يجعلهم يقرون ويسلّمون بأن حكم الزاني موجود في التوراة المنزلة على موسى(ع).

أما الآخر: فيفيد أن الرسول(ص)قد علم ما أقدم عليه اليهود من تغيير وتحريف للحكم الإلهي وأراد أن يبين لهم أن شرع الله محفوظ وأن سلوكهم مفضوح ، وأنهم لن يستطيعوا أن يطفئوا نور الله ولن يفلحوا في تلاعبهم في الاحكام.

فبين لهم ما سألوا عنه ،ولا شك أن اليهود كانوا يودوون أن يتلقوا من الرسول(ص) جواباً محدداً يتمكنون بوساطته أن يكذبوه ويبينوا أنه ليس المقصود بالروح ، وهم يريدون بعملهم أن ينفض الصحابة من حوله(ص) وجعلهم يختصمون علّهم يجدون عبر خصوماتهم منفذاً يصلون بفضله إلى زرع الشك في نفوس المسلمين وجعلهم يتخلون عن التصديق المطلق بصاحب الرسالة.

ج ـ خرق قاعدة الكمية: جاء في ملفوظ الرسول (ص) إطناب لزيادة التوضيح أو لتفصيل الكلام، أو إدراج كمٌّ من الأخبار ، ويقول السكاكي: وهو أما ايضاح بعد إيهام ليرى المعنى في صورتين مختلفتين أو ليتمكن في النفس فضل تمكن فإذا المعنى أٌلقي على سبيل الإجمال والإبهام تشوقت النفس إلى العلم بالمجهول؛ فيحصل لها بسبب المعلوم لذةً، ويسبب حرمانها عن الباقي ألم….. أو لتفخيم الأمر وتعظيمه، ويتمثل الإطناب بقول الرسول(ص) مستشهداً بالآية المباركة: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ) {النور/2}.وهو تذيّل جار مجرى المثل يؤتى به بعد تمام الكلام بكلامٍ مستقل في المعنى الأول تحقيقاً لدلالة منطوق الأول أو مفهومه ليكون معه كالدليل ليظهر المعنى عند من لايفهمه ويعمل عند من فهمه.

وأفاد التذيّل في هذا المقام الإنكارعلى اليهود : أي عدم تحكيم عقولهم فيما يحكمون ، وأفاد أيضاً التحذيير من عدم الاغترار بالنفس. وهذا هو المنهج التربوي للرسول(ص) الاكرم إذ بُبين ومن ثم حُذر، ونذر. ويلاحظ أن الرسول(ص) أطنب إذ أخبر؛ والغرض إيقاظ العقل فجمع صورتين مختلفتين ليكشف جهلهم وليمكن دعوته في النفوس عن طريق الجمع بين الشيء ونقيضه. وبتجاوزه لقاعدة الكمية تمكن من غرس الدعوة في نفوس ابناء قومه ، وسد كل سبل الإعراض ويستلزم لهذا الخرق أن الرسول(ص) أحس من اليهود إعراض .

د ـ  قاعدة الاسلوب (الطريقة):

1. الاحتراز عن الالتباس أو تجنب الايهام: ملفوظ الرسول(ص) فيه جنوح واضح إلى أسلوب البسط والاسترسال الذي يتطلب الوضوح والانابة لغرض الاقناع.

2. الاحتراز من الاجمال : إن الاجمال يتنافى والقصد التداولي إذ يحتاج لنجاح التواصل إلى التفسير والتفصيل، ولذلك يجدر بالمحاور أن يتجنب الاجمال وهكذا كان حوار الرسول(ص) مع اليهود، إذ ورد كلامه مفصلاً خالياً من الاجمال لا غبار على ملفوظه ولا على حواره، والملاحظ أن كلامه مفصل لايتداخل القول الأول للآية مع الثاني، ولايحتمل قول على قول فيلتبس على المتلقي؛ لأنه في صدد ايضاح الدعوة النبوية المحمدية وترسيخ معتقدات غير المعتقدات السائدة في وقته. وهذا ما جعله ينأى عن الاجمال.

3. التكلم بإيجاز واختصار: هذه القضية متعلقة بقاعدة الكمية، أي كمّ الخبر فتجاوزها(ص) إذ أطنب بتكرار لفظة (جلدة) ، وزيادة من التي تفيد التبعيض، والتذييل الجار مجرى المثل (مِئَةَ جَلْدَةٍ)، والغرض للانكار والتحذيير.

4. ترتيب الكلام وتنظيمه: يلزم على المحاور ترتيب كلامه وتنظيمه وإحسان التصرف في سرد الاحداث وسوق الادلة وإلاّ كان كلامه خطلاً لا طائل من ورائه، وكلام الرسول(ص) مرتب متناسق لاخلل فيه، إذ بدأ باخبارهم بماهية الحكم ثم عرج على قوله تعالى (مِئَةَ جَلْدَةٍ) وهو تعقيب ناجح فكأنه يقول تسألون وتشككون في أمور علمكم بها محدود فكان كلامه على حسن ترتيب؛ لأن مراجعة النفس والتعقل في السؤال يصحح مسار التفكير؛ ذلك لأن المنهج الدعوي النبوي يمر بالتبيين والتوضيح ثم التحذير من الوقوع في الخطأ؛ لأن التحذير من شأنه أن يؤثر في القلوب فتخشع لذكر الله والالتزام باوامر الله تعالى.

المبحث الثالث: التفاعل الحواري بين الرسول(ص) واليهود (الحوار الاجتماعي) مقاربة تداولية للتضمين الحواري.

أفتتح الحوار الاجتماعي بين اليهود ، والرسول(ص) بسؤالهِ عن ثلاث لايعلمهن إلاّ نبي؟ قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعامٍ يأكله أهل الجنة؟ ، ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال: الرسول(ص) (( أخبرني بهذا آنفاً جبريل قال: عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله(ص): أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعامٍ يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد ، فأن الرجل إذا أغشى المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها)) قال : أشهدوا إنك رسول الله ، ثم قال: يا رسول الله أن اليهود قوم بهت أن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت ، فقال رسول الله (ص): أي رجل منكم عبد الله بن سلام قالوا: أعلمنا وابن أعلّمنا ، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله (ص) أفرأيتم أن أسلَّم عبد الله فقالوا: أعاذهٌ الله من ذلك. فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمد رسول الله (ص) ، فقالوا أشرنا وابن أشرنا ووقعوا فيه)

الجهر بالدعاء على الرسول(ص):

نُقلَ عن عائشة إن اليهود دخلوا على رسول الله(ص) فقالوا: السّأمُ عليك. فلعنتهم. فقال :  ما لك قلت أولم تسمع مال قالوا؟ قال: فلم تسمعي ما قلتُ. وعليكم.

الافتراضات المسبقة: سعت أغلبية اليهود إلى أن تكون العلاقات متوترة بالمجتمع المدني واتبعت لتحقيق ذلك طرقاً متعددة رأينا جانباً فيها عند دراستنا للجدل العقدي وتسلطهم التشريعي، والآن جانباً من حوار يظهر السلوك الاجتماعي الذي مارسوه وأغلقوا به كل منفذ يمكن أن يؤدي إلى التعايش بين الأديان والجماعات لذلك كانوا يدعون الرسول(ص) ويثيرون الاحقاد ويسعون إلى تأليب القبائل حتى تعمُّ الفوضى ، أراد الرسول أن يبين للمسلمين طريقة اليهود في السلام وليدلهم إلى السلوك الواجب إتباعه معهم. يعتبر الافتراض المسبق بمثابة معلومة خفية أي تكون مزودة بملائمة تواصلية أقل شأنًا من تلك التي تتمتع بها المعلومات البيّنة كما أنها تحتل مركز أدنى مرتبة داخل البنية التي يتألف منها محتوى القول.

ب ـ الاقتضاءات:( إنَّ اليهود دخلوا على النبي(ص) فقالوا: السّأمُ عليك. وعليكم).

عليك: اسم فعل أمر بمعنى الزم ، واستمسك وقد يستعمل بمعنى خذ ، ف (عليك) هي اللفظة صاحبة القوة القضائية المضمرة بمعنى إنها صاحبة الجذب الحجاجي والمركز الخطابي الذي يرم (ص) نظر المتلقي إليه. أي أن اليهودي قد دعا الرسول(ص) والمسلمين بأن يصابوا بالسآمة في دينهم حتى يتثاقلوا في نشره والدفاع وتطبيق أحكامه. أما رد الرسول(ص) ب ( وعليكم) يلاحظ ثبوت الواو في جوابه ذلك أن ثبوتها يقضي التشريك فيصبح الجواب النبوي وكأنه مؤيد ومدعم لما صدر عن اليهود مع تعديله لينبههم إلى أن الموت سيكون أيضاً عليهم فكل من عليها فآن فالتغيير المعتمد على الظاهر يفيد أن الرسول(ص) قال لليهود (وعليكم) أيضاً الموت.

يشكل كل من ملفوظ النبي (ص) واليهود علاقة حوارية، والأصل أن يجنحا كليهما للتعاون قصد إيضاح المحاورة، وتقتضي فرضية(غرايس) أن يكون التعاون سبباً في تماسك الكلام، وتكاد تكون كل القواعد مطبقة وفيما يلي توضيح لذلك.

أ ـ احترام قاعدة الكيفية (كن صادقاً):

كانت غير محترمة من قبل اليهود أي: دعوا على الرسول (ص) . فأشركهم بدعائهم.

ب ـ الكمية: تشكل هذه القاعدة المستوى الوحيد في مبدأ الملائمة، وتؤكد أن الكلام كان الموت خلاف  قاعدة التحية المعروفة. غير مناسباً لموضوع القضايا المطروحة أي نزوع الملفوظ إلى دلالات مباشرة وصريحة ، وفي هذا الحوار لانجد في ملفوظ الرسول(ص) قولاً سيق وبينه وبين القضية التي طرحها فجوة إذ أجاب (وعليكم) امتثالاً لقوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ){النساء/86}

وما صدر من الرسول(ص) مع اليهود يتفق مع ما أمره الله تعالى به (فردوها) ، فالرسول لم يحمل ما قاله اليهود على أنه (سبُّ وشتمُ) ؛ لأن ما صدر عنهم أمر قدره الله تعالى وأعلم به نبيه وهو عقيدة إسلامية فالمؤمن لا يشك في الموت ويسلم بأن الله تعالى يقدر الاعمار فلا دعاء لصديق يؤجلها، ولا أماني عدو تقربها. فما صدر عن اليهود هو سوء أدب لايصل إلى السب الذي فيه ذمٌ وتعريض.

 وأما أصحاب هذا القول ما ذهبوا إليه بأن حكم من سبَّ الرسول(ص) صراحة (القتل) بدليل أنه كلف (ص) مجموعة من الصحابة بقتل كعب بن الاشرف غيلة ؛ لأنه يؤذي الله ورسوله.

فبين لهم ما سألوا عنه ،ولا شك أن اليهود كانوا يودوون أن يتلقوا من الرسول(ص) جواباً محدداً يتمكنون بوساطته أن يستهزؤوا به، وهم يريدون بعملهم أن ينفض الصحابة من حوله(ص) وجعلهم يختصمون علّهم يجدون عبر خصوماتهم منفذاً يصلون بفضله إلى زرع الشك في نفوس المسلمين وجعلهم يتخلون عن التصديق المطلق بصاحب الرسالة.

ج ـ خرق قاعدة الكمية: جاء في ملفوظ الرسول (ص) إطناب لزيادة التوضيح أو لتفصيل الكلام، وزيادة الواو هي زيادة معنوية أي (التشريك) اليهود ولتنبيههم إلى أن الموت سيكون أيضاً عليهم فكل من عليها فآن، وقال بعض الشراح تفيد الاستئناف) فالرسول (ص) لم يصدق اليهود ولم يؤيدهم ولم يعدل قولهم وإنَّما قال لهم: (وعليكم) ما تستحقونه من الذم والهوان والعذاب.

. وبتجاوزه لقاعدة الكمية تمكن من غرس الدعوة في نفوس ابناء قومه ، وسد كل سبل الإعراض ويستلزم لهذا الخرق أن الرسول(ص) أحس من اليهود إعراض.

د ـ قاعدة الاسلوب (الطريقة):

1. الاحتراز عن الالتباس أو تجنب الايهام: ملفوظ الرسول(ص) فيه جنوح واضح إلى أسلوب البسط والاسترسال الذي يتطلب الوضوح والانابة لغرض الاقناع.

2. الاحترازمن الاجمال : إن الاجمال يتنافى والقصد التداولي إذ يحتاج لنجاح التواصل ألى التفسير والتفصيل، ولذلك يجدر بالمحاور أن يتجنب الاجمال وهكذا كان حوار الرسول(ص) مع اليهود، إذ ورد كلامه مفصلاً خالياً من الاجمال لا غبار على ملفوظه ولا على حواره، والملاحظ أن كلامه مفصل لايتداخل القول الأول للآية مع الثاني، ولايحتمل قول على قول فيلتبس على المتلقي؛ لأنه في صدد ايضاح الدعوة النبوية المحمدية وترسيخ معتقدات غير المعتقدات السائدة في وقته. وهذا ما جعله ينأى عن الاجمال.

3. التكلم بإيجازواختصار: هذه القضية متعلقة بقاعدة الكمية، أي كمّ الخبر فتجاوزها(ص) إذ أطنب بتكرار حرف (الواو) حرف ينمي عن جملة (الموت والسأم عليكم) ، والغرض للانكار والتحذيير،والتوبيخ.

4. ترتيب الكلام وتنظيمه: يلزم على المحاور ترتيب كلامه وتنظيمه وإحسان التصرف في سرد الاحداث وسوق الادلة وإلاّ كان كلامه خطلاً لا طائل من ورائه، وكلام الرسول(ص) مرتب متناسق لاخلل فيه، فجوابه ينمي عن مراجعة نفسه بما يؤول جوابه (وعليكم) فردَّ  التحية بأدب ثم حذر من الوقوع في المزالق  فكان كلامه على حسن ترتيب؛ لأن مراجعة النفس والتعقل في السؤال يصحح مسار التفكير؛ ذلك لأن المنهج الدعوي النبوي يمر بالتبيين والتوضيح ثم التحذير من الوقوع في الخطأ؛ لأن التحذير من شأنه أن يؤثر في القلوب فتخشع لذكر الله والالتزام باوامر الله تعالى.

المبحث الرابع: التفاعل الحواري بين الرسول(ص) واليهود (الحوار المصيري) مقاربة تداولية للتضمين الحواري.

      أفتتح الحوار النبي محمد (ص) بجمع اليهود في المدراس بعد غزوة بدر وقال لهم: ( يامعشر اليهود: إسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً. قالوا يا محمد: لايغرنك من نفسك إنَّك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنَّك لو قاتلتنا لعرفت أنّا نحن الناس وإنك لم تلق مثلنا فأنزل الله عزَّ وجلَّ: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) {آل عمران/12}، قال الرسول لليهود: (أسلموا تسلموا).

الافتراضات المسبقة:

  أن الاحداث والغزوات التي دارت بين المسلمين واليهود تعود أساساً إلى غدر اليهود ونقضهم العهود وتشجيعهم المنافقين واستخدامهم ليكونوا بيادق يحركونها متى شاؤوا أو كيفما أرادوا لهذا أصبح التعايش بين المسلمين واليهود مستحيلاً. لذا أدرك الرسول(ص) مايسعى إليه اليهود كما أدرك أنهم لايقيمون وزناً للوسائل السلمية. فالافتراض المسبق ذو طبيعة لسانية بمعنى يمكن إدراكه عن طريق العلامات اللغوية التي يتضمنها القول وهي معلومات لم يفصح عنها المتكلم بل أوردها بطريقة آلية في القول الذي تضمنها بغض النظر عن الخصوصية وتضاف في الافتراضات بشكل معلومات وإن لم تكن مقررة، أي تلك التي لا تشكل موضوع الخطاب الواجب نقله، إلاّ إنها تنتج من صياغة القول التي تذكر فيه بغض النظر عن الخصوصية الأدائية في التعبير.

الاقتضاءات: (أسلموا تسلموا).

       سمع اليهود دعوة الرسول(ص) إياهم للإسلام وللسلام وللحماية من عذاب الله في الآخرة ومن الآفات النفسية والحروب في الدنيا أجابوا بقولهم: قد بلغت يا أبا القاسم( أي أنك قد قمت بواجبك ودعوتنا واستمعنا مقولتك منذ زمنٍ فلا فائدة في التكرار فما نحن بمجيبين دعوتك . لكن الرسول(ص) واصل التبليغ حسب الطريقة التي كان يتوخاها بتكرار دعوته ثلاث مرات (إسلموا تسلموا)، وعندما تأكد أن اليهود رفضوا الاسلام والسلام وتمسكوا بالعناد قال لهم: إعلموا إنَّما الأرض لله ولرسوله وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن وجد منكم بماله شيئاً فليتبعه، وإلاَّ ما علموا إنَّما الأرض لله ولرسوله. (أَسلَمَ : انقادَ دخل في دين الإسلام وأصبح مسلمًا) فالفعل  (أَسلَمَ) هو الحامل للمعنى القضائي الذي أورده (ص) ليزيد من قوة حجاجه ومعناه أنقادوا لأمر الله تسلموا. فوظفها لكي يغير قناعة اليهود  ذلك لأن الحجاج( يبرز في كيفية تسجيل اللغة الطبيعية لخلاصة ما أو أقتراحها أو تضمنها أو إظهارها أو أقتضائها)

يشكل كل من ملفوظ النبي (ص) واليهود علاقة حوارية، والأصل أن يجنحا كليهما للتعاون قصد إيضاح المحاورة، وتقتضي فرضية(غرايس) أن يكون التعاون سبباً في تماسك الكلام، وتكاد تكون كل القواعد مطبقة وفيما يلي توضيح لذلك.

أ ـ احترام قاعدة الكيفية (كن صادقاً):

أن لاتقدم معلومات خاطئة لا تستطيع أن تبرهن عليا، وكانت محترمة بشكل واضح من قبل الرسول (ص) وحواره مبسط يعرض عليهم السلّم ليسلموا يشعر الآخر وكأنه يجيب بالذي في صدورهم.

ب ـ الكمية: تشكل هذه القاعدة المستوى الوحيد في مبدأ الملائمة، وتؤكد أن الكلام كان مناسباً لموضوع القضايا المطروحة أي نزوع الملفوظ إلى دلالات مباشرة وصريحة ، وفي هذا الحوار لانجد في ملفوظ الرسول(ص) قولاً سيق وبينه وبين القضية التي طرحها فجوة إذ أجاب (إسلموا تسلموا) فبين لهم إن احترموا العهود والمواثيق التي عقدت معهم (سلِّموا) وأهليهم وأموالهم لكن حقدهم الدفين وتسلطهم دفع بهم إلى خرق القواعد المبرمة.

ج ـ خرق قاعدة الكمية: جاء في ملفوظ الرسول (ص) إطناب لزيادة التوضيح أو لتفصيل الكلام، وذلك بتكراره العبارة (ثلاث مرات) لغرض إلقاء الحجة عليهم ولتأكيد أفعالهم أن تكون مطابقة للميثاق الذي بينهم . نظراً لخرقهم المواثيق لذا أكدَّ ووضح بعد إيهامهم للعهود.

د ـ  قاعدة الاسلوب (الطريقة):

1. الاحتراز عن الالتباس أو تجنب الايهام: ملفوظ الرسول(ص) فيه جنوح واضح إلى أسلوب البسط والاسترسال الذي يتطلب الوضوح والانابة لغرض الاقناع.

2. الاحترازمن الاجمال : إن الاجمال يتنافى والقصد التداولي إذ يحتاج لنجاح التواصل ألى التفسير والتفصيل، ولذلك يجدر بالمحاور أن يتجنب الاجمال وهكذا كان حوار الرسول(ص) مع اليهود، إذ ورد كلامه مفصلاً خالياً من الاجمال لا غبار على ملفوظه ولا على حواره، والملاحظ أن كلامه مفصل لايتداخل ، ولايحتمل قول على قول فيلتبس على المتلقي؛ لأنه في صدد ايضاح الدعوة النبوية المحمدية وترسيخ معتقدات غير المعتقدات السائدة في وقته. وهذا ما جعله ينأى عن الاجمال.

3. التكلم بإيجاز واختصار: هذه القضية متعلقة بقاعدة الكمية، أي كمّ الخبر فتجاوزها(ص) والغرض للانكار والتحذيير،والتوبيخ.

4. ترتيب الكلام وتنظيمه: يلزم على المحاور ترتيب كلامه وتنظيمه وإحسان التصرف في سرد الاحداث وسوق الادلة وإلاّ كان كلامه خطلاً لا طائل من ورائه، وكلام الرسول(ص) مرتب متناسق لاخلل فيه، فقوله ينمي عن مراجعة نفسه بما يؤول (إسلموا تسلموا) باحترامكم العهود والمواثيق، ثم حذر من الوقوع في المزالق  فكان كلامه على حسن ترتيب؛ لأن مراجعة النفس والتعقل في السؤال يصحح مسار التفكير؛ ذلك لأن المنهج الدعوي النبوي يمر بالتبيين والتوضيح ثم التحذير من الوقوع في الخطأ؛ لأن التحذير من شأنه أن يؤثر في القلوب فتخشع لذكر الله والالتزام بأوامر الله تعالى.

4. ترتيب الكلام وتنظيمه: يلزم على المحاور ترتيب كلامه وتنظيمه وإحسان التصرف في سرد الاحداث وسوق الادلة وإلاّ كان كلامه خطلاً لا طائل من ورائه، وكلام الرسول(ص) مرتب متناسق لاخلل فيه، إذ بدأ بدعائهم للسلم والإسلام وبعد إعراضهم قال من كان بماله فليبعه احتراماً لعواطفهم ومشاعرهم وبعد تماديهم قال الأرض لله ولرسوله. فكلامه على حسن ترتيب لأن فيه مراجعة النفس والتعقل في السؤال يصحح مسار التفكير؛ ذلك لأن المنهج الدعوي النبوي يمر بالتبيين والتوضيح ثم التحذير من الوقوع في الخطأ؛ لأن التحذير من شأنه أن يؤثر في القلوب فتخشع لذكر الله والالتزام باوامر الله تعالى.

  الخاتمة: تسعى التداولية إلى دراسة المعنى التواصلي في الخطابات والحوارات؛ لأنه غير متواجد في اللفظة ذاتها بل يكمن بالسياق من أجل الوصول إلى المعنى كامنًا. وتوصل البحث إلى جملة من النتائج نجملها:

1ـ  الاستلزام الحواريّ نمط من التواصل الغير مباشر أو الضمني في الحوار النبويّ.

2ـ قواعد جرايس أساس في العملية التواصلية ، إذ ما تمَّ خرق أحدها خرج من المعنى الحرفي إلى المستلزم ، وهذا ما لمسناه في الحوار النبويّ.

3ـ السياق أداةٌ بارزةُ في استجلاء مقاصد المتكلم.

4ـ التعددية في الحوار النبوي(المصيري، الاجتماعي، التشريعي، الجدلي) دلالة قاطعة بمعجزة النبي الخاتم(ص).

5ـ وجود أكثر من فكرة للحوار الواحد فاللفظة الواحدة تعطي دلالات متعددة في الحوار النبويّ.

6ـ يخرج الحوار النبويّ الأساليب الانشائية من المعنى الأصلي إلى آخرٍ حددهُ السياق: كالاستفهام، ….

7ـ الاسلوب الذي قيل داخل السياق هو الذي يحدد صدق القول من عدمه في المعنى المتواصل.

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم

  1. الاستلزام الحواري في التداول اللساني، العياشي أدواري،منشورات الاختلاف ، دار الأمان، الرباط،ط1، 2011م.
  2. آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر،محمود أحمد نحلة، دار المعرفة الجامعية، مصر،2002م.
  3. الافعال الانجازية في العربية المعاصرة دراسة دلالية ومعجم سياقي، علي محمود حجي الصراف، ط1، مكتبة الآداب، 2010م.
  4. الإيضاح في علوم البلاغة (البيان والمعاني والبديع مختصر تلخيص المفتاح )، الخطيب القزويني(ت 739هـ)  ، دار الجيل ، بيروت ، (د.ت) .الاستدلال الحجاجي التداولي وآليات اشتغاله بحث: 90. الدكتور رضوان الرقبي، بحث بمجلة عالم الفكر، الكويتت، العدد (2)، المجلد 40، أكتوبر ، ديسمبر 2011م.
  5. البرهان في علوم القرآن ، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت 794هـ) ، تح:محمد أبو الفضل إبراهيم ، مكتبة دار التراث ،القاهرة،ط،3، 1984م.
  6. التداوليا علم استعمال اللغة، حافظ إسماعيل، الأردنأربد، (د.ت)، 1984م.
  7. الجامع الصحيح:وهو الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله (ص) وسننه وأيامه،للإمام أبي عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري(ت256هـ)،تشرف بخدمته والعناية به محمد زهير بن ناصر الناصر،دار طوقة النجاة،المدينة المنورة،(د.ت).
  8. الحجاج في خطابات النبي إبراهيم(ع) لكحل سعدية، مذكرة لنيل شهادة الماجستير،
  9. الخطاب منشورات مخبر تحليل الخطاب آمنة بلعلي، ، العدد الثالث، جامعة مولودمعمري، تيزي وزو، دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع، 2008، .
  10. صحيح مسلم بشرح النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي،تح: عبد الله أحمد أبو زينة، طبعة الشعب، القاهرة،(د.ت).
  11. عمدة القارئ ، العيني، (د.ت) ، بيروت.
  12. لسان العرب لابن منظور،(ت 711هـ) بيروت، 1956م.
  13. اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، طه عبد الرحمن، الدار البيضاء، بيروت،ط1، 1988م.
  14. المضمر، كاترين كيريرات أركيوني، ترجمة ريتا فاخر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط1، 2008م .
  15. نظرية المعنى في فلسفة بول غرايس، صلاح إسماعيل، الدار المصرية السعودية للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2005م: 78.